الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
92
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بين الشّام والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي ، وديارهم بفجّ الناقة ، وبيوتهم إلى وقتنا هذا أبنية منحوتة في الجبال ، ورممهم باقية ، وآثارهم بادية ، وذلك في طريق الحاج لمن ورد من الشام بالقرب من وادي القرى ، بيوتهم منحوتة في الصخر بأبواب صغار ، ومساكنهم على قدر مساكن أهل عصرنا ، وهذا يدلّ على أنّ أجسادهم على قدر أجسامنا دون ما يخبر به القصّاص من بعد أجسامهم . . . وليس هؤلاء كعاد إذ كانت آثارهم ، ومواضع مساكنهم ، وبنيانهم بأرض الشحر تدلّ على بعد أجسامهم . . . بعث اللّه صالحا وهو غلام حدث على فترة بينه وبين هود نحو من مائة سنة ، فدعا قومه ، فلم يجبه إلّا يسير . وكبر صالح ولم يزدادوا إلّا بعدا منه ، فلمّا تواتر عليهم أعذاره وانذاره ، ووعده ووعيده ساموه المعجزات وإظهار العلامات ، ليمنعوه من دعائهم ويعجزوه عن خطابهم ، فحضر عيد لهم ، وقد أظهروا أوثانهم ، وكان القوم أصحاب إبل ، فساموه الآية من جنس أموالهم ، وطالبوه بما هو مجانس لأملاكهم ، فقالوا : يا صالح إن كنت صادقا ، فأظهر لنا من هذه الصخرة ناقة ، ولتكن وبراء سوداء عشراء نتوجا حالكة ، صافة اللون ، ذات عرف وناصية وشعر ووبر . فاستغاث بربهّ ، فتحرّكت الصخرة وبدا منها حنين وأنين ، ثمّ انصدعت من بعد تمخّض شديد كتمخّض المرأة حين الولادة ، وظهر منها ناقة على ما طلبوه من الصفة ، ثمّ تلاها من الصخرة سقب لها نحوها في الوصف ، فأمعنا في رعي الكلاء وطلب الماء ، وأقامت الناقة يحلبون من لبنها ما يعمّ شربة ثمود كلّهم ، وضايقتهم في الكلاء والماء ، وكان في ثمود امرأتان ذواتا حسن وجمال ، فزارهما رجلان : قدار ومصدع ، والمرأتان عنيزة وصدوف ، فقالت صدوف : لو كان لنا في هذا اليوم ماء لأسقيناكم خمرا ، وهذا يوم الناقة وورودها ، ولا سبيل لنا إلى الشرب . فقالت عنيزة : بلى واللّه لو أنّ لنا رجالا